فخر الدين الرازي

237

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الألوان الممكنة في الزينة من حمرة وخضرة وصفرة وذهبية وبياض ، ولا شك أنه متى صار البستان على هذا الوجه ، وبهذه الصفة ، فإنه يفرح به المالك ويعظم رجاؤه في الانتفاع به ، ويصير قلبه مستغرقا فيه ، ثم إنه تعالى يرسل على هذا البستان العجيب آفة عظيمة دفعة واحدة في ليل أو نهار من برد ، أو ريح أو سيل ، فصارت تلك الأشجار والزروع باطلة هالكة كأنها ما حصلت البتة فلا شك أنه تعظم حسرة مالك ذلك البستان ويشتد حزنه ، فكذلك من وضع قلبه على لذات الدنيا وطيباتها ، فإذا فاتته تلك الأشياء يعظم حزنه وتلهفه عليها . واعلم أن تشبيه الحياة الدنيا بهذا النبات يحتمل وجوها لخصها القاضي رحمه اللَّه تعالى . الوجه الأول : أن عاقبة هذه الحياة الدنيا التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه ، لأن الغالب أن المتمسك بالدنيا إذا وضع عليها قلبه وعظمت رغبته فيها يأتيه الموت وهو معنى قوله تعالى : حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [ الأنعام : 44 ] خاسرون الدنيا ، وقد أنفقوا أعمارهم فيها ، وخاسرون من الآخرة ، مع أنهم متوجهون إليها . والوجه الثاني : في التشبيه أنه تعالى بين أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة تحمد ، فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد . والوجه الثالث : أن يكون وجه التشبيه مثل قوله سبحانه : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [ الفرقان : 23 ] فلما صار سعي هذا الزراع باطلا بسبب حدوث الأسباب المهلكة ، فكذلك سعي المغتر بالدنيا . والوجه الرابع : أن مالك ذلك البستان لما عمره بإتعاب النفس وكد الروح ، وعلق قلبه على الانتفاع به ، فإذا حدث ذلك السبب المهلك ، وصار العناء الشديد الذي تحمله في الماضي سببا لحصول الشقاء الشديد له في المستقبل ، وهو ما يحصل له في قلبه من الحسرات فكذلك حال من وضع قلبه على الدنيا وأتعب نفسه في تحصيلها ، فإذا مات ، وفاته كل ما نال ، صار العناء الذي تحمله في تحصيل أسباب الدنيا ، سببا لحصول الشقاء العظيم له في الآخرة . والوجه الخامس : لعله تعالى إنما ضرب هذا المثل لمن لا يؤمن بالمعاد ، وذلك لأنا نرى الزرع الذي قد انتهى إلى الغاية القصوى في التربية ، قد بلغ الغاية في الزينة والحسن ثم يعرض / للأرض المتزينة به آفة ، فيزول ذلك الحسن بالكلية ، ثم تصير تلك الأرض موصوفة بتلك الزينة مرة أخرى فذكر هذا المثال ليدل على أن من قدر على ذلك ، كان قادرا على إعادة الأحياء في الآخرة ليجازيهم على أعمالهم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . المسألة الثانية : ( المثل ) : قول يشبه به حال الثاني بالأول ، ويجوز أن يكون المراد من المثل الصفة والتقدير : إنما صفة الحياة الدنيا . وأما قوله : وَازَّيَّنَتْ فقال الزجاج : يعني تزينت فأدغمت التاء في الزاي وسكنت الزاي فاجتلب لها ألف الوصل ، وهذا مثل ما ذكرنا في قوله : فَادَّارَأْتُمْ [ البقرة : 72 ] ادَّارَكُوا [ الأعراف : 38 ] . وأما قوله : وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها فقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما : يريد أن أهل تلك الأرض قادرون على حصادها وتحصيل ثمراتها والتحقيق أن الضمير وإن كان في الظاهر عائدا إلى الأرض ، إلا أنه